SELECT LANGUAGE

 
عالم أفريقيا الوسطى المهمل
الفصل الأول: المطار

عالم أفريقيا الوسطى المهمل: المطار

مرحباً بك في بانغي. أول شيء تراه عند الهبوط في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى هو جرح حربها التي لم تنتهي، جرح مفتوح، في الهواء الطلق، من ذلك الصراع الذي يخمد ويتأجج، مما يجبر المدنيين إلى الفرار، حيث هناك آلاف العالقين من الناس.

أول شيء تراه عند الهبوط في بانغي هو مخيم للنازحين يعيش فيه نحو 20000 شخص. ليس بسبب إمكانية رؤيته من السماء، وليس لأنه على مقربة من مجمع المطار: إنه هناك، عند الهبوط، ملاصق للمدرج، تم إنشاءه على حظائر الطائرات، بدون أي نوع من الفصل. على أحد جانبي المخيم طائرة تجارية كبيرة وطائرات صغيرة لمنظمات غير حكومية وللأمم المتحدة بانتظار دورها للدخول في المدرج، وعلى الجانب الآخر يعيش 20000 شخص في حالة مزرية لا تفصلهم سوى قناة صغيرة وشجيرات.

* كتب هذا التقرير قبل إغلاق مخيم مبوكو من قبل حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى في ديسمبر/كانون الأول 2016؛ مستشفى أطباء بلا حدود في المخيم أغلق أيضاً.

كيف حدث هذا؟

في أواخر عام 2013 اندلع القتال في بانغي بين تحالف سيليكا الإسلامي وميليشيات أنتي بالاكا المسيحية. ففر السكان المسيحيون  بشكل جماعي - وسنتحدث عن السكان المسلمين في المقالات التالية- والموجودون في الأحياء الأكثر تضرراً من العنف. إلى أين ذهبوا؟ إلى المطار. لماذا؟ بسبب انتشار القوات الفرنسية هناك، ولأنه المكان الوحيد الذي يعتقدون بأنه آمن. في البداية احتشد  100,000 شخص هناك؛ وشيئاً فشيئاً بدأوا بالعودة إلى ديارهم، ولكن الكثيرين منهم قاوموا العودة.

طائرات صغيرة متهالكة في مخيم للنازحين ملاصق لمطار بانغي (آنا سورينياش ©).

"سنبقى في المخيم طالما كان ذلك ضرورياً —يقول لويس أرياس، منسق مشروع منظمة أطباء بلا حدود في مطار مبوكو. سنبقى طالما كان هناك أناس ينبغي مساعدتهم".

في وسط هذا المخيم في المطار، أقامت منظمة أطباء بلا حدود مستشفى ميدانياً ضخماً يقدم الإسعافات الأولية والطوارئ والتوليد وحتى الرعاية النفسية. يمر من هنا نحو 300 أو 350 مريضاً  كل يوم. وليسوا كلهم من المخيم: فالنظام الصحي في العاصمة مزرٍ للغاية حيث يأتي الكثير من الناس من الخارج أيضاً. "70% من مرضى المستشفى هم من خارج المخيم. يأتون لأنهم يعرفون بأن هناك مستشفى يدار بالكامل من قبل منظمة أطباء بلا حدود"، يقول أرياس.

مستشفى تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في مخيم للنازحين في مطار بانغي (آنا سورينياش ©).

 

المشهد مدهش. فهناك خيام مغطاة بالبلاستيك: ليست من الخيام الكلاسيكية ذات النسيج الغليظ التابعة لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وإنما من البلاستيك المعتاد وأكياس القمامة. كل شيء مظهره مؤقت، إلا أن المخيم لا يزال هناك. ويحتمي الناس من الشمس تحت أجنحة الطائرات الصغيرة المهجورة والتالفة القابعة في وسط المخيم. وينشرون الملابس على القضبان المعدنية. "في البداية كان الناس يعيشون حتى في داخل الطائرات الصغيرة"، هكذا يذكر ريمس بالي، مساعد منسق مشروع منظمة أطباء بلا حدود.

إذا رفع أحد بصره، يرى من بعيد ذيل الطائرة الجاهزة للإقلاع، بالقرب من مبنى المطار. وتعاني الأسر التي تعيش بالقرب من هناك أشد المعاناة. "عندما يعمل محرك الطائرة، يجب علي التشبث بهذا العمود لكي لا أسقط. الضجيج رهيب، فهو شديد القسوة على الأطفال الرضع"، يقول مارسيل بيوروفي، رئيس أحد أحياء المخيم، بينما يتابع طائرة توبوليف على وشك الانطلاق.

أحد حظائر الطائرات التي تستقبل الناس الذين فروا من الحرب في بانغي (آنا سورينياش ©).

 

وهناك أسر أيضاً تعيش بالقرب من نفس المدرج. وبالفعل، هناك أشخاص يقودون دراجات نارية ويعبرون المدرج حتى قبل دقائق من مغادرة الطائرة: في تلك اللحظة، تقوم قوات الأمم المتحدة بدوريات على المدرج وتطلب من المارة الابتعاد، لأن الطائرة على وشك الإقلاع. ويتدافع النازحون، بعضهم متحمس، كما لو كانت الطائرة الأولى التي يرونها، وآخرون متعبون: كما هو معتاد. تسرع الطائرة، ويرتفع صوت التوربينات، ويرتجف المخيم للحظات، حتى تقلع الطائرة وتخلف وراءها ذيلاً من الدخان ويظل نازحو الحرب في جمهورية أفريقيا الوسطى يحدقون به لبضع ثوان.